السيد أحمد الحسيني الاشكوري
251
المفصل فى تراجم الاعلام
فيها توطئة للاجتهاد وتحصيل قدرة استنباط الأحكام الشرعية والتصدي للفتوى ، وليس هذا الفن مقصوداً بالذات كما يعلمه المشتغلون بالدراسات العالية ، إلا أن توفر آلات الاجتهاد يمهّد للشخص طريق الاستنباط ، فكلما كانت هذه الآلات أوفر يكون سبيل الوصول إلى الهدف الغائي أيسر وأسهل . ومن هنا نجد كثيراً من أعلامنا المجتهدين يتوغلون في البحث حول القواعد الأصولية ، وبه يكون استنباطهم للمسائل الفقهية أوفق وأركز دعامةً . اشتغل الشيخ في أيام الدراسة والطلب بالفقه والأصول معاً ، ثم درّس فيهما طيلة حياته ممارساً لهما معاً وفاحصاً عن أدلتهما سوية : أما كتابه « الهداية » فهو شرح موسّع على كتاب « معالم الأصول » للشيخ حسن بن زين الدين العاملي ( ت 1011 ) ، يشتمل على تحقيقات أصولية ممتازة مع التعرض لمختلف الآراء والأدلة مع المناقشات الطويلة لما ينقل عن أعلام العلماء والأصوليين ، وخاصةً في مباحث الألفاظ التي لقيت منه عناية أكثر من المباحث العقلية ، ويهتم فيه بشكل ملحوظ بآراء العالم الأصولي الشهير ميرزا أبو القاسم الجيلاني القمي المدرجة في كتابه القيم « قوانين الأصول » ، ويتصدى لها بمناقشات فيها الشيء الكثير من الدقة والتحقيق . نظرة خاطفة على كل تعليقة من هذه الحاشية ، تبين مدى إحاطة المؤلف على جمع مختلف الآراء وتمحيصها تمحيصاً دقيقاً ودراستها من مختلف جوانبها ، فهو لا يقنع بنقل قول ما كيفما كان ، ولكنه يقلبه ظهراً لبطن ويحسب له حساب الخبير المتمرس المحقق . ويكفي لمعرفة مدى فحص الشيخ في الآراء اللغوية والأصولية والاستنتاج الصحيح من مجموعها ، النظر بدقة في التعليقة الأولى على قول صاحب المعالم « الفقه في اللغة الفهم » . وأما كتابه الفقهي « التبصرة » فنرى شيخنا الفقيه عندما يتعرض لموضوع ما فيه ، يبدأ بما ذكره اللغويون مع الجرح والتعديل لما ذكروه وتطبيقه بالذوق العرفي المهم جداً في استخراج الحق الواقع من الأدلة اللفظية ، ثم يستعرض أهم الآراء لكبار الفقهاء ويتناولها بالفحص والنقد العلمي ، ثم يأتي بالأدلة الفقهية من الآيات والأحاديث ويسندها بما يؤدي إليه نظره ، ويستخرج بالتالي فتواه غير مشوبة بالضعف على الأغلب . وبهذه الطريقة المتأنية المستوعبة يدلنا على تمكنه من الاجتهاد ويعرّفنا الطريقة الصحيحة اللاحبة للاستنباط .